إشكاليَّة استقلال السُنَّة بالتشريع 2

أ.د/ طه جابر العلواني

من الحلقة الأولى تبين للقراء الكرام أنَّ القضية المثارة بين أهل العلم لا علاقة لها بحُجية السُنَّة من عدم حُجيتها، فالسُنَّة النبوية جعلها القرآن الكريم حُجة على كل مسلم ومسلمة، وليس لمؤمن ولا مؤمنة أن يشكك في حُجية السُنَّة الثابت صدورها عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بعد إخضاعها لتصديق الكتاب، وهيمنته، وقواعد فحص الحديث: دراية، ورواية؛ ولذلك فإنَّ الإمام أبا حنيفة حين قرر بعض القواعد الأصوليَّة لفقهه، فكان منها: تقديم ظواهر القرآن على السنن، فقد قيل له: ألا تخشى أن يقال بأنك تنكر السُنَّة وتكذبها؟ فقال: رضي الله عنه: “أُكذب هؤلاء ولا يكون تكذيبي لهؤلاء وردي عليهم تكذيبًا لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، إنَّما يكون التكذيب لقول النبي (عليه السلام) أن يقول الرجل أنا مُكذِب لقول نبي الله (صلى الله عليه وسلم)، فأمَّا إذا قال الرجل: أنا مؤمن بكل شيء تكلم به النبي (عليه الصلاة والسلام)، غير أن النبي (عليه الصلاة والسلام) لم يتكلم بالجور ولم يخالف القرآن، فإنَّ هذا القول منه هو التصديق بالنبي وبالقرآن وتنزيه له من الخلاف على القرآن”.

ولنا فيه أُسوة حسنة في هذا الموقف الذي أتخذه، وقد بقيت قضية حُجية السُنَّة إذا استقلت عن الكتاب موضع نزاع بين علماء الأصول لفترة طويلة.

 

وإليكم فتوى الأزهر في ذلك:

بسم الله الرحمن الرحيم

السيد الأستاذ رئيس لجنة الفتوى

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد

فهل من أنكر استقلال السُنَّة بإثبات الإيجاب والتحريم يعد كافرًا أم لا؟

نرجو الإفادة بالرأي مع الاستدلال.

وشكرًا

بسم الله الرحمن الرحيم

والصلاة والسلام على سيد المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم وبعد

تنقسم الأحكام عند الجمهور إلى خمسة أقسام: –

1-الواجب: -وهو ما يثبت طلبه من المكلف بنص صريح قطعيّ الثبوت وقطعيّ الدلالة (بمعنى أن له معنى واحدًا فلا يختلف في معناه المجتهدون) من كتاب الله، أو سُنَّة رسوله المتواترة.

2-المحرم: -هو ما طلب الشارع من المكلف تركه بدليل قطعيّ الثبوت وقطعيّ الدلالة من كتاب الله أو سُنَّة رسوله المتواترة.

3-المندوب: -ما طلب الشارع فعله طلبًا غير حتم ولا جازم، ويشاب على فعله ولا يعاقب على تركه.

4-المكروه: -ما طلب الشارع تركه طلبًا غير حتم، ويثاب على تركه، ولا يعاقب على فعله.

5-المباح: -ما خُير المكلف بين فعله وتركه، وما لم يرد دليل بالتحريم.

وتنقسم السُنَّة إلى: -متواترة وأحادية.

فالمتواترة هي ما رواها جمع عن جمع، يستحيل أو يبعد أن يتفقوا على الكذب.

قال الحازمي في شروط الأئمة الخمسة صــــــ 37: -“وإثبات التواتر في الحديث عسر جدًا”.

وقال الشاطبي في الجزء الأول من الاعتصام صـــ 135: “أعوز أن يوجد حديث عن رسول الله متواتر”

وعلى الرغم من ندرة الحديث المتواترة، واختلاف علماء السُنَّة على ثبوته وعدده، يرى الجمهور أن من أنكر استقلال السُنَّة المتواترة بإثبات واجب أو مُحرم فقد كفر.

والسُنَّة الأحادية: هي ما رواه عدد دون المتواتر عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وقد اختلف العلماء في استقلال السُنَّة الأحادية بإثبات واجب أو محرم.

فذهب الشافعيّة ومن تبعهم إلى أن من أنكر ذلك في الأحكام العمليّة: كالصلاة، والصوم، والحج، والزكاة فهو كافر. ومن أنكر ذلك في الأحكام العلميَّة: كالإلهيات، والرسالات، وأخبار الآخرة، والغيبيات فهو غير كافر؛ لأن الأحكام العلميَّة لا تثبت إلا بقطعيّ من كتاب الله، أو سُنَّة رسوله المتواترة.

وذهب الحنفيّة ومن تبعهم إلى أن السُنَّة الأحادية لا تستقل بإثبات واجب أو محرم، سواء كان الواجب علميًا أو عمليًا، وعليه فلا يكفر منكرها. وإلى هذا ذهب علماء أصول الفقه الحنفية فقال البزدوي:

“دعوى علم اليقين بحديث الآحاد باطلة لأن خبر الآحاد محتمل لا محالة ولا يقين مع الاحتمال ومن أنكر ذلك فقد سفه نفسه وأضل عقله”

وبهذا أخذ الإمام محمد عبده والشيخ محمود شلتوت والشيخ محمود أبو دقيقة وغيرهم.

يقول المرحوم الإمام محمد عبده:

“القرآن الكريم هو الدليل الوحيد الذي يعتمد عليه الإسلام في دعوته، أمَّا ما عداه مما ورد في الأحاديث، سواء أصح سندها، أو اشتهر، أم ضعف فليس مما يوجب القطع”.

كما ذكر الشيخ شلتوت في كتابه “الإسلام شريعة وعقيدة” قوله:

“إنَّ الظن يلحق السُنَّة من جهة الورود (السند) ومن جهة الدلالة (المعنى) كالشبهة في اتصاله والاحتمال في دلالته.

ويرى الإمام الشاطبي في كتابه الموافقات: أن السُنَّة لا تستقل بإثبات الواجب والمحرم؛ لأنَّ وظيفتها فقط تخصيص عام القرآن، وتقييد مطلقه، وتفسير مجمله، ويجب أن يكون ذلك بالأحاديث المتواترة لا الأحادية.

ويؤيد آراء من سبق ذكرهم ما جاء في صحيح البخاري باب الوصية (وصية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم) قبل وفاته:

عن طلحة بن مصرف قال: سألت ابن أبي أوفي: هل أوصى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال لا.

قلت: كَيْفَ كَتَبَ عَلَى النَّاسِ الْوَصِيَّةَ وَلَمْ يُوصِ؟

قال: أَوْصَى بِكِتَابِ اللَّه.

قال ابن حجر في شرح الحديث:

” أي التمسك به والعمل بمقتضاه” ولعله أشار إلى قوله (صلى الله عليه وآله وسلم):

“تركتم فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا: كتاب الله”.

واقتصر على الوصية بكتاب الله لكونه فيه تبيان لكل شيء، إمَّا بطريق النص، أو بطريق الاستنباط، فإذا أتبع الناس ما في الكتاب عملوا بكل ما أمرهم به”

وحديث سلمان الفارسي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم):

“الحلال ما أحله الله في كتابه والحرام ما حرمه الله في كتابه وما سكت عنه فهو عفو لكم”

وأجاب الشاطبي عما أورده الجمهور عليه من قوله تعالى:

﴿ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾(النساء:59).

بأن المراد من وجوب طاعة الرسول إنَّما هو في تخصيصه للعام، وتقييده للمطلق، وتفسيره للمجمل وذلك بالحديث المتواتر.

وأنَّ كل ما جاء به النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يجب أن يكون من القرآن، لقول عائشة (رضي الله عنها) عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): -“كان خُلقه القرآن”.

وأنَّ معنى قوله تعالى:” (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ) (النحل:89).

أنَّ السُنَّة داخلة فيه في الجملة، وأكدَّ الشاطبيّ ذلك بقوله تعالى: -﴿ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ﴾(الأنعام: 38).

وقد ردَّ على ما استدل به الجمهور مما روي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قوله:

“يوشك أحدكم أن يقول: هذا كتاب الله ما كان من حلال فيه أحللناه وما كان من حرام حرمناه إلا من بلغه مني حديث فكذب به فقد كذب الله ورسوله” بأن من بين رواة هذا الحديث “زبد بن الحباب” وهو كثير الخطأ ولذلك لم يرو عنه الشيخان حديثًا واحدًا.

وجاء الثبوت والتحرير:

“خبر الواحد لا يفيد اليقين ولا فرق في ذلك بين أحاديث الصحيحين أو غيرهما”.

وما سبق يتضح أن الايجاب والتحرير لا يثبتان إلا بالدليل اليقينيّ قطعيّ الثبوت والدلالة، وهذا بالنسبة للسُنَّة لا يتحقق إلا بالأحاديث المتواترة، وحيث أنها تكاد تكون غير معلومة لعدم اتفاق العلماء عليها، فالسُنَّة لا تستقل بإثبات الايجاب والتحريم.

وعلى هذا فمن أنكر استقلال السُنَّة بإثبات الايجاب والتحريم، فهو منكر لشيء اختلف فيه الأئمة، ولا يُعدّ مما عُلِم بالضرورة، وعلى هذا فلا يُعد كافرًا.

رئيس لجنة الأزهر

1/2/1990.

هذا ما صدر عن لجنة الفتوى بالأزهر، وتبناه كثير من الأئمة المعاصرين. وسنأتي في الحلقة الثالثة بالنماذج الثلاثة التي استدل بها القائلون باستقلالية السُنَّة بالتشريع على غير موافقة القرآن المجيد؛ ليتبين أنَّ لكل نموذج من النماذج التي ذكرت أصلًا قرآنيًا يستطيع إدراكه المتدبر المتأمل بشيء من التفكير مع التوفيق الإلهي.

نسأل الله (جلَّ شأنه) أن يشرح الصدور لذلك، ولعل الجدل، والتبديع، والتكفير، والتفسيق في مثل هذه الأمور يختفي من ساحاتنا العلميَّة والمعرفيَّة.

وإلى اللقاء في الحلقة الثالثة.

مقالات ذات صله